الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
83
مختصر الامثل
بماذا رموا موسى عليه السلام واتّهموه : بعد البحوث التي مرّت في الآيات السابقة حول وجوب احترام مقام النبي صلى الله عليه وآله ، وترك كل ما يؤذيه والابتعاد عنه ، فقد وجّهت هذه الآيات الخطاب للمؤمنين ، وقالت : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَكُونُوا كَالَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا » . إنّ اختيار موسى عليه السلام من جميع الأنبياء الذين طالما اوذوا ، بسبب أنّ المؤذين من بني إسرائيل قد آذوه أكثر من أي نبيّ آخر . والمراد من ايذاء موسى عليه السلام هو بيان حكم كلي عام جامع ، لأنّ بني إسرائيل قد آذوا موسى عليه السلام من جوانب متعددة . . . ذلك الأذى الذي لم يكن يختلف عن أذى بعض أهل المدينة ( لنبيّنا صلى الله عليه وآله ) كإشاعة بعض الأكاذيب وإتّهام زوج النبي بتهم باطلة ، وقد مرّ تفصيلها في تفسير سورة النور ، ذيل الآيات ( 11 - 20 ) . ويستفاد من هذه الآية أنّ من كان عند اللَّه وجيهاً وذا منزلة ، فإنّ اللَّه سبحانه يدافع عنه في مقابل من يؤذيه ويتّهمه بالأباطيل . قولوا الحق لتصلح أعمالكم : بعد البحوث السابقة حول ناشري الإشاعات والذين يؤذون النبي ، تصدر الآية التالية أمراً هو في الحقيقة علاج لهذا المرض الاجتماعي الخطير ، فتقول : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا » . « القول السديد » : يعني القول الذي يقف كالسدّ المنيع أمام أمواج الفساد والباطل . ثم تبيّن الآية التالية نتيجة القول السديد ، فتقول : « يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْملَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ » . إنّ التقوى في الواقع هي دعامة إصلاح اللسان وأساسه ، ومنبع قول الحق ، والقول الحق أحد العوامل المؤثرة في إصلاح الأعمال ، وإصلاح الأعمال سبب مغفرة الذنوب ، وذلك ل « إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيّئَاتِ » « 1 » . ثم تضيف الآية في النهاية : « وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا » . وأي فوز وظفر أسمى من أن تكون أعمال الإنسان صالحة ، وذنوبه مغفورة ، وهو عند اللَّه من المبيضّة وجوههم الذين رضي اللَّه عنهم .
--> ( 1 ) سورة هود / 114 . 0